إن الدراسة الدلالية قديمة قدم التفكير الإنساني ، حيث
كان علم الدلالة مرتبطاً بعلوم البلاغة في الثقافة الغربية القديمة ولم ينفصل عنها
إلا بعد أن تبلور مصطلح علم الدلالة في صورته الفرنسية Semantique فالمصطلح فرنسي الأصل ثم نقله اللغويون إلى الإنجليزية بعد ذلك ويقول بالمر "
يعد مصطلح علم الدلالة semantics إضافة حديثة إلى اللغة الإنجليزية ويعني التنبؤ
بالغيب وكان ذلك في القرن السابع عشر
ولعل أول
دراسة علمية حديثة خاصة بالمعنى هي تلك التي قام بها "ميشيل برييل" وعلم
الدلالة semantique هو المصطلح الذي أطلقه على دراسته ، ويختلف
معناه لديه عما يعرف به الآن ، ثم كان معناه لدى " أوجدن ويشاورز" يقوم
على أساس رياضي ويرتد إلى أربعة عناصر هي:
القصد ، القيمة ، المدلول عليه ، الانفعال العاطفي
ثم وضع " بردجمان " وسيلة جديدة في التعريفات
وهي أن التصور يساوي الإجراءات وهناك وجهتي نظر متعارضتان فيما يخص العلاقة بين
علم الرموز وعلم الدلالة فيقول " دوسوسير وما علم اللغة إلا جزء من هذا العلم
الأعم (علم الرموز ) ، أما "رولان بارت" فيقول أن علم اللغة هو الأعم
والسيميولوجيا semiology أو
علم الرموز هو جزء منه ، وعلم الدلالة (السيميوطيقا) هو الدراسة العامة للعلامات ، اي الدراسة لكل ما
يمكنه أن ينقل معنى من المعاني.
والعلامة
علاقة بين دال ومدلول ، وهي علاقة لا يمكن أن تنفصل عنها إلا لأغراض التحليل والدراسة (كما في علاقة اللفظ بالمعنى مثلاً)
وتشمل دراسة العلامات على دراسة خاصة للإنسان ذاته، لإنفعالاته ، وأحلامه،
وكوابيسه، وإبداعاته ، وتاريخه الشخصي والاجتماعي، ورحلاته الحقيقية والمتوهمة،
عبر المكان والزمان، وعبر الذات وخلال الحاضر وعبر الماضي واختراقاً للمستقبل ، إن
أي شيء يقف بديلاً أو يحل محل شيء آخر هو لدى عالم العلامات والروائي الإيطالي
" أمبرتواكو" بمثابة الرمز الذي هو بدوره إحدى العلامات والإنسان صانع
العلامات تدرج وعبر من تلك المرتبة الحسنة الإدراكية الضيقة، والتي يشاركه فيها
غيره من الكائنات الحية ، ثم ارتقى صاعداً منها بعد ذلك ، على مراتب الرمز
والإبداع والخيال والدلالة، فأنتج لنا عوالم خصبة من الفن والأدب والعلم
وتكنولوجيا الاتصال بكل ما تحتويه هذه العوالم من علامات وشفرات علامية دالة
وجديرة بالإمعان والتأمل.
هكذا
يكون علم العلامات أو (السيميوطيقا) في جوهره بمثابة العلم الذي يدرس آثار الأقدام
على الأرض ، والبروق والرعود في السماء، والأواني الفخارية التي تركها القدماء أو
أبدعها المحدثون وأعراض المرض وإشارات المرور وإيماءات الجسد ، وحركاته والوسائل
السمعية والبصرية ، والنصوص الأدبية
والأعمال الفنية التشكيلية والأفلام السينمائية والتكنولوجية وكل أنواع الأداء في
مجال الدراما المسرحية وما شابه ذلك من المجالات.
ولقد كانت هذه العلامات، وغيرها من الأمور التي اجتذبت
انتباه البشر وفضولهم عبر التاريخ، فاهتم الأطباء بعلامات الصحة والمرض ، وعلماء
اللغة بالكلمات، وعلماء البيولوجيا برقصات النحل، وعلماء البلاغة بأشكال الأقلام ،
وعلماء الأنثروبولجيا والاجتماع بالرموز الاجتماعية للإنسان ، وعلماء الدين بالقصص
والرموز الدينية ، ونقاد الفن والأدب بالأعمال الفنية والأدبية.
فالعلامة إذن هي أية وحدة ذات معنى يتم تفسيرها على أنها
تحل محل أو توجد كبديل لشيء ما غيرها... وقد توجد العلامات في شكل مادي كالكلمات
والصور والأصوات والأفعال والأشياء لكن هذا الشكل المادي غالباً ما يكون مجرد وعاء
للعلامة أو تقترحه من رموز ودلالات ، فالعلامة لا تصبح علامة إلا عندما يقوم
المستخدمون لها بإثرائها بالمعنى ، ولا تكون العلامة ثرية أو زاخرة بالمعنى إلا
عندما يتم ربطها بشفرة خاصة تكون قابلة للتعرف عليها.
وتجدر
الإشارة هنا إلى أن الفنانين التشكيليين والمصممين ونقاد الفن وباحثيه عندما
يتحدثون عن الرمز وتعريفاته ومفاهيمه فإنما يركزون حديثهم على الرموز البصرية في
الفن سواء كانت رموزاً شكلية أو لونية ، ومدلولاتها المختلفة ، وهم في ذلك يفرقون
بين مفهوم الرمز والعلامة من حيث طبيعة كل منها ومدلوله وأثره على المتلقي ومدى
هذا التلقي كماً وكيفاً.
بينما في نفس الوقت وعلى الجانب المقابل يتناول علم العلامات
ودلالاتها والمسمى (بالسيميوطيقا) العلامات بمفهومها الأكثر عمومية وشمول وتنوع،
وتعدد بحيث تضم الرموز ضمن نطاقها وتحت لوائها باعتبار أن الرمز هو أحد أنواع
العلامات وصورة من صورها وحالة من حالاتها.
ضع تعليقاً على الموضوع اواستفسار للرد علية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق